الغزالي
45
الأربعين في اصول الدين
يغفل عنها أهل الورع ، وهي أنه حيث يكون الترك من الورع أو من حزازة في النفس ، فلا يجوز الترك والسؤال بحيث يؤذي ؛ فالمجهول إذا قدم إليك طعاما ، فإن سألته من أين ؟ استوحش وتأذّى ؛ والايذاء حرام ، وسوء الظن حرام . وإن سألته عن غيره بحيث يدري زاد الإيذاء . وإن سألت بحيث لا يدري فقد تجسست وأسأت الظن ، وبعض الظن إثم ، وتساهلت بالغيبة والتهمة ، وكل ذلك حرام . وترك الورع ليس بحرام ، فليس لك إلا التلطف بالترك ، فإن لم يكن إلا بإيذاء ، فعليك أن تأكل ، فإن طيبة قلب المسلم وصيانته عن الإيذاء أهم من الورع . فإياك أن تكون من القرّاء المغرورين الذين لا يدركون دقائق الورع . واعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكل من صدقة بريرة ولم يسأل عن المتصدق . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحمل إليه الهدايا فيقبل ولا يسأل . نعم سأل في أول قدومه إلى المدينة عما حمل إليه هل هو صدقة أو هدية ؟ لأن ذلك ليس فيه إيذاء ، ولأن قرينة الحال كانت تقتضي الإمكان في الصدقة والهدية على وتيرة واحدة . وكان صلى اللّه عليه وسلم يدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل ولم ينقل السؤال إلا نادرا في محل الريبة . فإن قلت : فإن وقع طعام حرام في سوق فهل يشتري من ذلك السوق ؟ فأقول : إن تحققت أن الحرام هو الأكثر فلا تشتر إلا بعد التفتيش ، وإن علمت أن الحرام كثير وليس بالأكثر فلك الشراء . والتفتيش من الورع ؛ ولقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه - رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين - يشترون في أسفارهم من الأسواق ، مع علمهم بأن فيها أهل الربا والغصب وأهل الغلول « 1 » في الغنيمة ، وكانوا لا يتركون المعاملة معهم . وهذا الباب يستدعي شرحا طويلا ، فإن رغبت فيه فطالع كتاب الحلال والحرام من كتب الإحياء لتشهد عند مطالعته بأنه لم يصنف في فنه مثله في التحقيق والتحصيل والإحاطة بجميع التفاصيل . الأصل الثامن في القيام بحقوق المسلمين وحسن الصحبة معهم : وهو ركن من أركان الدين ، إذ الدين معناه السفر إلى اللّه تعالى . ومن أركان السفر
--> ( 1 ) الغلول : الغش .